النداء 253/ نتنياهو المأزوم .. / منذر بو عرم

253- nidaa.jpg - 34.94 Kbنتنياهو المأزوم عين على التهويد.. وأخرى على التمديد

النداء 253/ حدث ورأي: منذر بو عرم

"أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" شعار شكَّل عقيدة الحركة الصهيونية منذ إطلاق حملتها لاستيطان فلسطين المحتلة في مؤتمر بال الثاني عام 1903، واذا ما كان ما يسمى بالصابرة "اليهود الفلسطينيين" لا يزيد عددهم عن 25 ألف شخص مع انعقاد مؤتمر بال، فإن هذا المؤتمر قد أسس لموجات استيطانية كبرى خصوصاً بعد وعد بلفور المشؤوم عام 1917 ليتحول الانتداب البريطاني إلى راعٍ للاستيطان وحامٍ له وفق ما سمي بالكتاب الأبيض بعد ثورة عام 1936، ومع حلول عام 1947 بات المستوطنون يشكلون 6% من السكان، ومع ذلك أصدر مجلس الأمن الدولي قراراً لتقسيم فلسطين بضغط من الولايات المتحدة الأميركية وحليفتيها بريطانيا وفرنسا، وهذا ما أمن الغطاء الدولي للمشروع الصهيوني ومهد لسيطرة عصابات الهاغانا وشتيرن على 32% من أراضي فلسطين عام 1948، بتحالف واضح مع مراكز الاقتصاد الرأسمالي العالمي وتواطوء من الملكيات العربية آنذاك، وبذلك مرحلة ترسيخ الكيان الصهيوني تمهيداً لمرحلة الدولة اليهودية كما حلم بها مؤسس هذا الكيان ديفيد بن غوريون، وفق مذكرات وزير خارجيته موشي شاريت بالتقاطع مع دعوات خصمه السياسي زعيم شتيرن ومؤسس حركة حوروت، النواة الصلبة لحزب الليكود لاحقاً منحيم بيغن.

ما خطط له بن غوريون بدأت ملامحه الأولى بالظهور بعد هزيمة عام 1967، والسيطرة على الضفة الغربية وقطاع غزة إضافة إلى سيناء والجولان، أما المرحلة الأهم على هذا الطريق فتتمثل بهزيمة سياسية تاريخية بإخراج مصر من حلبة الصراع مع العدو وفق اتفاقيات كامب ديفيد التي عقدت عام 1977، هذه الانجازات وازتها موجات استيطانية كبرى في الضفة الغربية في ما يسمى بالقدس الإدارية والكتل الاستيطانية في غوش عطسيون ليصبح ما نسبته 48% من الضفة الغربية ملحقاً بالكيان الصهيوني بما فيها القدس.

هذا الواقع الميداني عززته السيطرة اليمين الديني المتطرف بالتحالف مع الليكود على الخارطة السياسية الإسرائيلية ما وفر الشروط الموضوعية والذاتية لتطبيق مشروع إسرائيل اليهودية كما يراها رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو في كتابه "مكان تحت الشمس" الذي جاء رداً على انطلاق عملية التسوية في مدريد عام 1991 واتفاق أوسلو الذي أفضى إلى سلطة فلسطينية صورية، على أجزاء من الضفة الغربية وعلى قطاع غزة.

نتنياهو يؤكد في كتابه أن التخلي عن الضفة الغربية هو تخل عن جوهر العقيدة الصهيونية، وان إسرائيل التاريخية كما يزعم قد تخلت عن 80% من أرضها في إشارة إلى الأردن، التي كان وزير الخارجية الأسبق ايغار آلون قد رأى عام 1971 أنها الوطن البديل للفلسطينيين، وبالتالي فإن نتنياهو لا يرى أي ضرورة للتخلي عن أي جزء من فلسطين بحدودها الحالية، وان الحل بمنظاره يكمن بإعطاء الفلسطينيين غيتوات محاصرة بالطرق الالتفافية والمستوطنات، دوراً رئيسياً مستكملاً بذلك رؤية منحيم بيغن التي أدرجها في اتفاقات كمب ديفيد، بمعنى آخر إعطاء الفلسطينيين حكماً ذاتياً محدوداً كمرحلة أولى وصولاً إلى ما أعلنه قبل أشهر بضرورة رحيل فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948.

هذا الإعلان أضاف إليه رئيس حكومة الليكود ترسانة ضخمة من الإجراءات العنصرية مستكملاً ما بدأه أسلافه من قوانين "أبرزها مصادرة الأراضي المتروكة وأرض المشاع وفق القوانين العثمانية"، بقوانين ومشاريع قوانين تصب بطبيعة الحال في إستراتيجيته التهويدية لكامل فلسطين المحتلة وعلى رأسها قانون الجنسية ومشروع قانون الدولة القومية وهذا ما أسهم بتصدع حكومته وحل الكنيست لنفسه تمهيداً لإجراء انتخابات مبكرة في السابع عشر من شهر آذار المقبل، وبالانتظار يبدو نتنياهو أسير أزمة مثلثة الأضلع قاعدتها فقدان الكيان الصهيوني لدوره الوظيفي كشرطي للرأسمالية المعولمة بعد سقوط العقيدة العسكرية الصهيونية بنجاح المقاومة اللبنانية باستعادة الأرض المحتلة دون قيد أو شرط، وفشل عدوان 2006 على لبنان وعدواني 2009 و 2014 على قطاع غزة، أما ضلعا هذه الأزمة فهما أولاً تشظي حكومته، وثانياً استحصال الفلسطينيين على اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بحق تقرير المصير وسعيهم لنيل الاعتراف بالدولة المستقلة بحدود عام 1967 في مجلس الأمن.

أمام هذا الواقع هل يمكن القول إن نجم نتنياهو ومعه مشروعه في طريقه إلى الأفول تحت وطأة أزمته؟ أم أن لديه أوراقاً إستراتيجية تتيح له تجاوز الواقع الحالي وقيادة الكيان الصهيوني من جديد سعياً لتطبيق مشروعه؟

واقع الحال يؤكد أن نتنياهو وحلفاءه في "إسرائيل بيتنا" واليمين الديني المتشدد "الحريديم"، في طريقهم إلى تحقيق انتصار انتخابي وفق استطلاعات للرأي بناء على تلاشي قوة حزب العمل المؤسس التاريخي للكيان المغتصب، وتماهي المشاريع الانتخابية للمعارضة الصهيونية مع ما يطرحه نتنياهو، وفي هذا السياق يندرج إعلان وزيرة العدل تسبي ليفني المعارضة الرئيسية له في الحكومة بأنه يعرض ما وصفته "بإسرائيل اليهودية الديمقراطية" للخطر، وهذا ما يؤكد أن ليفني وغيرها من الزعماء الصهاينة لا يختلفون في جوهر موقفهم مع المشروع الليكودي لبناء إسرائيل اليهودية المزعومة مع قفازات مخملية، أما ما يعزز هذا التوجه فهو هيمنة الجماعات الاستيطانية المتطرفة على مواقع القرار اثر وصول ما يزيد عن مليون مستوطن إلى الضفة الغربية نتيجة انهيار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي، مشكلين بذلك كتلة ضغط كبرى تحول دون إقرار تسوية نهائية على قاعدة الأرض مقابل السلام للتخلص من الدولة ثنائية القومية، ليكون البديل تلازم مزاعم السلام الإسرائيلية مع الزحف الاستيطاني العشوائي والمنظم فضلاً عن توسيع الطرق الالتفافية لوصل هذه المستوطنات بحيث لم يعد للفلسطينيين ما يفاوضون عليه في سبيل إنشاء دولتهم الموعودة.

عوامل القوة هذه شجعت نتنياهو على إطلاق حربه الوقائية الدبلوماسية معلناً خلال توجهه إلى روما للقاء وزير الخارجية الأميركية جون كيري، بأن الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية المستقلة لا يغير في واقع الأمر شيء، ومرفقاً هذا الإعلان بحملة إيديولوجية عنوانها أن كيانه الصهيوني هو جزيرة معزولة في بحر التطرف الإسلامي، في محاولة لإيجاد القاعدة الإيديولوجية لإقامة كيان يهودي بالكامل وتطبيق سياسة التهجير للفلسطينيين "ترانسفير" للحفاظ على ما يصفه بالمصالح الأمنية لكيانه، وعلى خط موازٍ عاد نتنياهو ليستعيد جزءاً من دور وظيفي لإسرائيل في خدمة رأس المال المعولم وهذه المرة بدعوى التصدي للتطرف الأصولي لتنسحب هذه المعادلة على السعي لإقامة تحالف مع الأنظمة العربية المنخرطة في المشروع الأميركي الموضوع للمنطقة لمواجهة إرهاب مصنع أميركياً أصلاً.

هذا التحالف يمثل من وجهة الكيان الصهيوني بزعامة نتنياهو الملاءة الملائمة لتغطية مشاريعه التهويدية التصفووية للقضية الفلسطينية. دافعاً باتجاه تمرير مشروع قانون الدولة القومية بعد فوزه المرجح للانتخابات ومشرعناً الاستيطان العشوائي والمنظم.

أما أقوى أوراق نتنياهو فهي تشرذم الساحة الفلسطينية ووقوعها أسيرة ثنائية فتح - حماس بتداعياتها المدمرة للمشروع الوطني الفلسطيني وصراعاتها الفئوية على حساب هذا المشروع.

في ضوء ما تقدم بات ملحاً تخلي الفلسطينيين عن الرهانات العقيمة على أي تسوية مع العدو وإعادة الاعتبار للمقاومة المسلحة، مع إعادة إطلاق الانتفاضات الشعبية في الضفة الغربية وفق برنامج وطني شامل يأخذ بعين الاعتبار ضرورة مواجهة المشروع الأميركي – الإسرائيلي في الساحة الفلسطينية وإرهاق العدو واستنزاف قدراته من خلال الحرب الأنصارية المحمية ببيئة شعبية حاضنة ومنتفضة وإعادة الصراع إلى المربع الأول، خصوصاً وان سعي السلطة الفلسطينية لاعتراف دولي بدولة حدودها الأراضي المحتلة عام 1967 هو بحد ذاته شرعنة تاريخية للكيان الصهيوني على 82% من فلسطين المحتلة عام 1948، والكتل الصهيونية التي تطال 48% من الضفة الغربية "لا تمثل مع قطاع غزة إلا 18% من فلسطين"، ما يعني إعادة الاعتبار لحقيقة أن الصراع مع الصهاينة هو صراع وجود وليس صراع حدود، وان الرهان على تسوية نهائية برعاية أميركية هو حلم عقيم.